الشيخ حسن المصطفوي

249

التحقيق في كلمات القرآن الكريم

تمام المساعى في الوصول إلى مرتبة فوق مقامه ، وهو لا يتمكَّن . وكان واحد من السالكين يقول : قد أرى لي في ابتداء سيرى حقيقة هذه الحالة ، وكنت مصرّا ومجدّا بتمام قوّتى وقدرتي واستطاعتي في أن أصّعّد عن منزلي واترفّع عن محيط مقامي ومسقطى ولو بدرجة ، فما استطعت . فتحصّل لي في اثر هذه المحدوديّة والمسكنة والذلَّة ابتلاء واضطراب ومضيقة لا يتصوّر اشدّ منها ، بحيث لو كنت اصلى في النار : لما أحسست حرّها . * ( وَأَنَّه ُ كانَ رِجالٌ مِنَ الإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقاً ) * - 72 / 6 - يراد من العوذ : تحصيل الارتباط بوسيلة أذكار مخصوصة ورياضات معيّنة ، ويعبّر عنه في زماننا بالتسخير وأمثاله . ويدخل في هذا الباب بعض الارتباطات بالأرواح ، فانّ الجنّ له معنى عمومىّ كما سبق ، وعلى أي تقدير فنتيجة هذه الارتباطات هي المحجوبيّة وحصول الغشاء والظلمة في البصيرة ، والانصراف عن مراحل كمال الإنسان ، والانحراف عن مسير الحق والسلوك في اللَّه . فزادُوهم رَهَقا . والتعبير بالرهق : فانّ هذا الرجل يتصوّر بانّه بهذا الارتباط والعوذ يدرك ما لا يدركه الآخرون ويصل إلى ما لا يصل اليه أحد ، ويتوهّم بانّ مراتب الكمال وحصول المقامات الروحانيّة وتحصيل المعارف والحقائق الربّانيّة انّما يتيسّر بهذه الوسيلة ، غافلا عن انّها لا تزيد له الَّا بعدا ومحجوبيّة وظلمة ، فهذا الرهق الحاصل خلاف ما يتوقّعه ، وهو مكروه عنده . وكم له من نظير في طبقات المرتاضين وأهل الذكر والختوم : فانّ التوحيد والإخلاص والانقطاع من الشرائط الأوّليّة في السلوك الروحاني الإلهىّ